قصص صحفية

غجر قرية الزهور: مشاركتنا في الانتخابات تجربة مرّة.. ولكن نعلق عليها الآمال

الديوانية – حيدر الموسوي

للمرة الأولى بعد حصولها على البطاقة الوطنية قررت السيدة أحلام ذات الـ 58 عاماً من “قرية الزهور” في محافظة الديوانية التوجه لمركز الاقتراع للمشاركة في انتخابات مجلس النواب في العاشر من تشرين أول/ اكتوبر الجاري، وبدلاً من أن تمارس حقها في التصويت عادت إلى المنزل بصوت يختنق والدموع تسيل من عينيها.

تعيش أحلام في بيت طيني في “قرية الزهور” التي تبعد 20 كيلومترًا عن مركز محافظة الديوانية مع نحو مائة عائلة من الغجر، يطلق عليهم الناس لقب “الكاولية”، في مكان يفتقد إلى المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، تغيب عنه المؤسسات الصحية والتعليمية.

تصوير: محمد النعيمي

طوال السنوات الماضية لم تحمل أحلام وبقية الغجر في القرية بطاقات وطنية تمكنهم من المشاركة في الانتخابات، بل أكثر من ذلك، لم تسمح لهم الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد منذ عام 2003 بالعمل في مهنهم التقليدية، خصوصاً الرقص والغناء، فضلًا عن تمييزهم في الأوراق الرسمية الممنوحة لهم بكلمة “غجر”.

لكن بصيص الأمل عاد إلى سكان قرية الغجر بعد إطلاق ناشطين عراقيين حملة “الغجر بشر” لإنهاء التمييز بحقهم، تبعتها حملة أخرى بمشاركة نواب عراقيين تمخض عنها منح غجر محافظة الديوانية البطاقة الوطنية بقرار يحمل صفة “الاستثناء” من وزير الداخلية.

بهذا تمكنت أحلام من الحصول على حقها الدستوري في التصويت بقرار من الوزير، دون أن يتم تعديل قانون الجنسية العراقي، وهو ما يجعل وضعها وأمثالها مهدداً بالتغيير تبعاًَ للأمزجة السياسية للحكومات اللاحقة.

“نريد إصلاح الواقع”

بنبرة حزينة تروي أحلام  قصتها حين ذهبت للإدلاء بصوتها بمركز محافظة الديوانية قائلة، “قررنا المشاركة وذهبنا لمحطة الإقتراع  فما كان من الأشخاص المتجمعين قرب محطة الاقتراع إلا توجيه سيل من الشتائم بحقنا وقذفنا بالحجارة بعد ماعرفوا أننا من قرية الغجر”.

وتتابع، “لم يكن بوسعنا أن ندافع عن أنفسنا ونحن نتعرض للسب والشتم والضرب لا لشيء إلا لأننا من قرية الغجر.. ولدنا وعشنا فيها وهذا ليس بمحض إرادتنا.. لم نفعل شيء مما يشاع عنا.. نريد أن نعيش مثل بقية البشر  والفقر ليس عيباً”.

تصوير: محمد النعيمي

بالنسبة لهذه السيدة الغجرية، ماحصل هو أصعب ماقد يمر به الإنسان من تمييز عن بقية أفراد المجتمع. “لقد شاركنا بالتصويت في الانتخابات لأننا نريد إصلاح الواقع الذي نعيشه وإيجاد من يأخذ لنا حقوقنا وينهي التمييز ضدنا”.

تهديدات

لم تختلف مشكلة سلام، 38 عاماً، عن مشكلة أحلام وبقية سكنة  “قرية الزهور” من تمييز حكومي ومجتمعي فضلاً عن انعدام سبل الحياة في القرية نفسها.

يقول سلام إن “الجهات التي تحرض علينا وتشوه سمعتنا تسابقت للحضور إلى قريتنا وإعطاء الوعود من أجل كسب أصواتنا”، واضاف أن “الكثير منهم بعث رسائل مبطنة بالتهديد بأننا سنبقى على هذا الحال وأكثر سوءاً بحال ما لم يحققوا الفوز بالانتخابات”.

تصوير: محمد النعيمي

وتحدث سلام وعدد من ساكني قرية الغجر عن تهديدات كان قد أطلقها مرشحون ينتمون لجهات سياسية متنفذة على حد قولهم، بمعاقبة أهل القرية في حال عدم التصويت لهم، وبأن “بمقدورهم معرفة  كل صوت يخرج من القرية والى اي مرشح ذهب مستغلين جهل السكان في الثقافة الانتخابية وقانون المفوضية”، يقول سلام.

وأضاف: “من الصعب جداً الوثوق بهذه الجهات خصوصاً وانها هي من أوصلتنا لهذه الحال”، مبيناً أن “تلك الجهات نفسها التي نفتنا وقامت بقصفنا بقنابل الهاون وقذائف الار بي جي وكانت سببا في التمييز الحاصل ضدنا عندما كانت و مازالت تحكم وتتمتع  بالسلطة”.

اتفاق بين الأهالي

لم يسبق لغجر العراق أن نجحوا في إيصال مرشح لهم إلى مجلس النواب أو حتى سموا مرشحاً من قبلهم، نظراً لحرمانهم لسنوات طويلة من حقوقهم الدستورية، كما ليس من المعروف إلى أي جهة أو جهات سياسية ذهبت أصواتهم في الاقتراع الأخير.

لكن عدداً من أهالي قرية الغجر قال للمنصة في مقابلات أجريت معهم قبل الانتخابات أن هناك اتقاقاً عاماً لدى الأهالي يقضي بالذهاب نحو انتخاب شخصيات مستقلة غير مسيسة لعل تغيراً ما يحدث قد  ينعكس إيجابياً على أوضاعهم.

وقال أحمد، 38 عاماً، وهو أحد ساكني قرية الزهور “اتفقنا على انتخاب  المستقلين من باب تغيير الوجوه الذي نتأمل به تغيير واقعنا الحالي”.

وبين أحمد أن “هذا الاتفاق بين أهالي القرية جاء رداً على الوعود الكاذبة للأحزاب التقليدية التي تعرفنا في مواسم الانتخابات فقط  وتقوم بخداع الناس بتقديم مساعدات وقتية لهم”.

الإحصاء يميزهم

من جهتها تقول مفوضية حقوق الانسان في الديوانية إنها بذلت كل الجهود وقدمت كافة المساعدات المطلوبة لأبناء القرية بما يخص الانتخابات وتسهيل عملية الاقتراع.

تصوير: محمد النعيمي

وأكد مدير مكتب المفوضية محمد البديري، “تم التنسيق مع مفوضية الانتخابات لخروج فرق جوالة من موظفيها ذهبت إلى قرية الزهور  وأكملت اجراءات التسجيل للحصول على بطاقة الناخب، وذلك للتقليل من عناء ذهابهم لمركز المدينة”.

من جانبها تحدثت الناشطة الحقوقية وصاحبة مبادرة “الغجر بشر” منار الزبيدي عن تقصير من قبل الجهات الحكومية في تشجيع أهالي قرية الزهور على التصويت.

وقالت الزبيدي إنه “لم يكن هنالك تحرك حكومي بخصوص الانتخابات في قرية الزهور بحجة جائحة كورونا بالرغم من أن الجهات ذات العلاقة أقامت دورات توعية انتخابية على نطاق واسع في أرجاء العراق عموما ومنها محافظة الديوانية”.

ولم تكن سجلات المفوضية المستقلة للانتخابات في الديوانية بأفضل حال عن أي جهة رسمية أخرى كونها لاتمتلك أي احصائية عن عدد الناخبين داخل قرية الغجر.

ويعزو مدير مكتب الانتخابات في المحافظة فارس العطية السبب في ذلك  لوجود “تمييز ضد أهل القرية”، لافتاً إلى أن “مشاركة أهالي القرية في الانتخابات هذا العام جاءت بعد تحديث بطاقاتهم الانتخابية وان عدم مشاركتهم في السنوات السابقة كان بسبب عدم امتلاكهم بطاقات الناخب وانتشار الأمية بينهم”.

وفيما يتعلق بالنسب و الأعداد الذين يحق لهم التصويت أجاب العطية، “لا نحن ولا أي جهة تمتلك معلومات دقيقة حول عدد الذين يحق لهم المشاركة وحول نسب مشاركة هذه الفئة بالتحديد”.

بداية تجربة

بعد إعلان نتائج الانتخابات ومعرفة الاحزاب الفائزة تحدث عدد من  أهالي القرية بحبور عن “انتصارهم” في معاقبة بعض الأحزاب لكنهم تجنبوا ذكر أسماء الاحزاب التي عاقبوها على حد تعبيرهم.

أم خليل، 54 عاماً، مواطنة تسكن قرية الزهور، قالت والابتسامة تضيء ملامح وجهها المتعب أن “الأحزاب التي كانت ترى نفسها باقية وتتمدد قد خسرت وصارت مرفوضة من الشارع بعدما كانوا يهددون ويتوعدون ويتأملون العودة الى الحكم “.

وأوضحت أن فرحتها لخسارة هؤلاء جاءت بقدر المعاناة التي عانة منها الغجر والوعود الكاذبة التي طالما وعدت أهالي القرية بها، قائلة: “أتمنى لبقية  الأحزاب الفاسدة أن تخسر أيضاً في قادم الايام”.

تصوير: محمد النعيمي
وترى هذه السيدة أن انتخابات 2021 وتجربة التصويت “زرعت أملاً في قلوب أهالي قرية الزهور بامكانية حلحة أوضاعهم المأساوية”.

وتأمل أن تكون التجربة بداية لإيصال مرشحين ومرشحات من أبناء القرية وبناتها يتنافسون لتمثيل ليس الغجر فقط في مجلس النواب، بل والفئات التي تعيش على هامش المجتمع العراقي أيضاً، وهي ليست قليلة.

أُنجز هذا التقرير ضمن برنامج تغطية الانتخابات العراقية الذي نفذته منظمة “أوان ميديا”  بدعم من منظمة دعم الاعلام الدولي (International Media Support )

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: