تحقيقات وتقارير

الصور النمطية والمفاهيم الخاطئة تشوه الديانة الصابئية

ماذا تعرف عن الطقوس المندائية؟

 

 

 

تقرير / علي الساعدي

 

تفاجئت سمر خالد (26 عاماً) عندما سمعت من صديقتها “اشياء لا تمت للدين الصابئي بصلة”، حينما عرفت بانها من اتباع هذه الديانة، واستدركت متحسرة، “لا يعرفون عن ديننا شيئاً، لا يعرفون ماذا تعني الصابئة، ولا يعرفون طقوسنا، لذلك يسمعون الى ما يشاع فقط”.

 

وتشير إلى ان كل ما قالته صديقتها “لا يمت للدين الصابئي باي صلة، انما هو مجرد صور نمطية تراكمت على مدار السنوات التي لم يكن فيها اي اعلام يتحدث الاديان والتعددية الدينية”.

 

والصابئة المندائية، تعدّ أقدم ديانة موحدة عرفتها البشرية، نشأت في أرض وادي الرافدين وتحديدا في جنوب العراق، بمحافظة ميسان والمناطق السهلية القريبة من الأهوار والأنهار التي ترتبط بها طقوس الصابئة المندائيين.

 

صور نمطية يجب تغيرها

 

“الكثير يحملون صورا نمطية خاطئة عن الصابئة ويجب تغييرها، إذ يتهمهم البعض بعبادة الكواكب والنجوم بسبب قبلتهم تجاه القطب الشمالي، أو أنهم يخنقون الحيوانات الميتة ليأكلوها، وغيرها من التفاصيل البعيدة عنهم” تقول المديرة العامة السابقة لأوقاف الصابئة المندائيين نادية مغامس.

 

وتوضح أن “هذه المفاهيم الخاطئة عرضت الكثير من أبناء الطائفة للتعنيف والاضطهاد على مر الزمن، لذا اضطروا الى ترجمة كتبهم المقدسة إلى العربية لأول مرة في التاريخ قبل 25 عاما بهدف نشر حقيقة المندائيين، ووقف التصرفات غير الإنسانية بحقهم، وإثبات توحيدهم لله وحده”.

 

مغامس تشير الى أن ما يميز الصابئة عن الطوائف الأخرى هو “تشبثهم المتين بطقوسهم منذ أكثر من ألفي عام حتى اليوم، ورغم التغير الذي يطرأ على الأديان بفعل الكتب السماوية فإنهم تمركزوا حول طقوس واحدة لم ولن تتغير”.

 

ويتبع المندائيون كتاب “كنزا ربا” أو الكنز الكبير، والذي يحوي صحف آدم الأولى وتعاليمه باللغة الآرامية الشرقية التي تعتبر لغة الصابئة، ويحوي الكتاب جزأين، الأول: خاص بالأمور الدنيوية من وصايا وحكم ومفاهيم، والجزء الثاني خاص بالنفس بعد وفاتها ورحلتها من الجسد الفاني إلى أصلها، وهو عالم النور.

 

أسامة نبيل (38 عاما) فرغم كل ما يعانيه ابناء ديانته، يشعر بانه “موجود” حينما يمارس طقوس ديانته كصابئي مندائي، ويقول : “تعرضنا للتهديدات والقتل الممنهج، لكننا سكان هذه الارض، ارض الرافدين، لا نترك مناسبة الا واقمنا فيها طقوسنا، التي نمارسها منذ الاف السنين على هذه الارض”.

 

والمندائية هي ديانة غير تبشيرية، ولا تؤمن بدخول أحد إليها، وتحرم الزواج من خارج الديانة، ومن بين طقوسها الصلاة، والصوم، والصدقة، والتعميد وهو أحد أهم أركان هذه الديانة.

 

 

 

تشويه سمعة الديانة الصابئة

 

يحاول البعض استغلال الصور النمطية لدى بعض الناس الجاهلين لحقيقة هذه الديانة بهدف تحقيق مكاسب مادية مثل الترويج لاعمال السحر والشعوذة من خلال نشر صور لرجال الدين الصابئة وبعض ممارساتهم الدينية.

 

“الريش أمة” ستار جبار حلو رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم اصدر بيانا في 8 شباط 2020، أُعلنُ براءته مما “يُنشَر على صفحات التواصل الاجتماعي من قبل أشخاص يدَّعون قيامهم بالسحر”.

 

ولفت ان هولاء الأشخاص وضعوا صورته أو صور بعض رجال الدين الصابئة في منشورات دعائية لانجاز ممارسات السحر والشعوذة.

 

“الريش أمة” أكد في بيانه أن “أعمال (السحر) من المحرمات الكبرى في ديانتنا المندائية، كما جاء في كتابنا المبارك (كنزا ربّا – الصحف الأولى ) (بِسْم الحي العظيم، لا تقصدوا السحرة والمنجمين الكاذبين المتلفعين في الظلام، إن من يعملها مصيرُه النار الموقدة)”.

 

“إن هولاء الدجالين الكاذبين، مع الأسف، يستغلون البسطاء والسذج من بعض المواطنين، نساء ورجالا؛ للوقوع في حبائلهم الشريرة، لكسب المال الحرام، وهتك الأعراض” يقول رئيس طائفة الصابئة المندائيين.

 

وطالب السلطات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية بحق “هولاء المخالفين لكل الشرائع والأديان اللذين يشوهون سمعة طائفتنا وديننا العريق وسمعة شعبنا العراقي”.

 

وتتركز أعداد الصابئة في محافظتي بغداد وميسان وأماكن في البصرة وذي قار وكركوك وإقليم كوردستان، إذ تقدر الأعداد الحالية للصابئة بنحو 15 الف نسمة بعدما كانوا 500 ألف، حسب ارقام رئاسة الطائفة.

 

الصابئة المندائيون يغسلون ذنوب الارض بمياه الرافدين

 

يحاول الصابئة إزاحة الصور النمطية عن ديانتهم، ويسعون إلى تعريف المجتمع بطبيعة ممارساتهم الدينية.

 

وعن هذه الطقوس يقول رجل الدين المندائي عدي يحيى: “نرتدي الزي الأبيض أثناء إحياء مراسيم التعميد، عن طريق إدخال المعتمد إلى النهر وإخراجه لكي يغتسل من ذنوبه وخطاياه، وأثناء ذلك نرتل بعض الصلوات الدينية، عندها يخرج المعتمد كأنه ورقة بيضاء قد اغتسل من كل الذنوب”.

 

ويعزو سبب ارتداء الزي الأبيض أثناء إحياء شعائر الطقوس الدينية إلى لباس النبي يحيى بن زكريا – الذي يعده المندائيون نبيهم – وهو شعار ممتد إلى النبي آدم، حيث تمثل هذه الثياب “النور والضياء وفيها بهجة وضياء للنفس”.

 

سبب ارتداء الزي الأبيض أثناء إحياء شعائر الطقوس الدينية إلى لباس النبي يحيى بن زكريا

 

ويبين يحيى: أن هناك طقساً دينياً آخر يتمثل بالثواب، ويسمى بالآرامية بـ(الفاتورة) أي المائدة، والتي تعني “مشاركة أرواح الموتى ومساعدة المخطئين منهم وتكون عن طريق قراءة إحدى الصلوات على طعام ما، لنرسلها ثواباً إلى النسمة الموجودة هناك حتى تنفك من خطاياها”، بحسب قوله.

 

ويرى الصابئة أنهم جذر التوحيد الأول، ويؤمنون بأربعة انبياء هم (آدم) وبعده ابنه النبي شيت، إذ إنه يحظى بمكانة كبيرة جدا بين أبناء الديانة، وذلك لاعتقادهم بأن النفس المتوفاة بأمر الله تقاس بمقياس نبل نفس وروح شيت، فمن حمل روحه الخلاقة دخل الجنة، ومن كانت نفسه أقل خلقا منه فإنه سيبدأ حينها الحساب.

 

وبعدهما النبي سام الذي يعده المندائيون صاحب الفضل الاكبر على الصابئة بتثبيته كافة الشرائع المندائية الحديثة، ليستطيع من بعده النبي يحيى بن زكريا -وهو آخر أنبياء الصابئة- أن يرسل كافة التعاليم التعميدية، والذي استخدم التعميد جزءا أساسيا لطهارة النفس وترسيخ المفاهيم المندائية، ومنه اشتقت راية “الدرفش” والعلامة الخاصة بهم، والتي تعتبر الرمز الأساسي لهم مع اللباس الأبيض كليا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: