حداثة بين زمنين..مقال لناطق هاشم

حداثة بين زمنين..مقال لناطق هاشم
ناطق هاشم
كتب: آخر تحديث:

ناطق هاشم

الحداثة كمصطلح هي الابتعاد الزمني عن القديم لكن ليس كل حديث حداثة .فالحداثة هي رؤية جديدة للعالم تبنى على أسس فلسفية وعلمية مدروسة وفق خطط تعد مسبقا .قد يتحقق التحديث في بلدا ما لكنه ليس حداثة ما دامت الرؤيا أسيرة فهم سلفي متمسك في الماضي .فالحداثة ارتبطت بالغرب في ظل تطور الرأسمالية والفكر والثورة الرقمية .ذلك الارتباط إلى تحرر العقل من الكنيسة والابداع والقبلية أفضت إلى ولادة الإنسان .كل دوله لها هويتها الخاصة بالحداثة. مثلا العراق كانت هويته فنية معمارية وأكاديمية لم تقتصر الحداثة على طبقات متعلمة سافرت ودرست في أوربا بل ساهم بها متعلمون من بيئات اجتماعية مختلفة من المجتمع العراقي .فالحداثة في العراق كانت في بدايات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي .ما اليوم وفي العراق غابة الحداثة بكل تجلياتها على مستوى الوضع الاجتماعي الذي بقى راكدا نتيجة عادات وتقاليد القبيلة كذلك التعليم لم تطرأ عليه اي عمليات تغير تساهم في تحديثه. السؤال هنا اين يقف العراق من الحداثة في القرن العشرين. أن الواقع العراقي بعيد بكل تجلياته عن الحياة الحديثة .صحيح ان العراق يمتلك طاقات شبابيه وماديه بمكانه أن تحدث نقله نوعيه في الحياة العراقية لكن المشكلة الأساسية هي في طبيعة الأنظمة السياسية التي حكمت البلد لعقود.مابني في بداية تأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢١ من تطور عمراني وتعليمي واقتصادي تم انهائه خلال فترة الحكم الديكتاتوري السابق .

من يراقب الحياة العراقية بعد عام ٢٠٠٣ اي بعد مضي خمسة عشر سنه سيجد بأن هذه الحياة لم تقترب من الحداثة ولا بسنتمتر واحد، اما ما بعد الحداثة فانه يبتعد عنها بسنين ضوئية ،ورغم التحسن في الوضع الاقتصادي للعراقيين وحصول قفزات من ناحية المأكل والملبس وتطوير للسكن إلا ان هذه لم ترفع من مستوى ذائقته ولم تنضج مشاعره الى حد يصل بان يرفض القبح وكل الظواهر الشاذة في المجتمع ولم يرتق نمط تفكيره بحيث لا يستقبل الاوهام والخرافات والشعوذة والتي غزت كل زاوية ومفصل في الحياة العراقية.. لم ترمم البنى المخربة ولم تصمم المدن والقصبات العراقية من جديد لتواكب الموضة العالمية وحتى ان حصل اعمار هنا او هناك فانه يأتي في اكثر الاحيان انفعاليا وبدون تخطيط بحيث يربك الواقع ويشوشه فيصبح القديم وذكراه اكثرا اشراقا من الجديد الهجين ولم يعمد القائمون على الحياة السياسية على اقامة المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية الرصينة وكل ما عمدت اليه الكتل السياسية الجديدة اشاعة المحاصصة والتوافقات والتوازنات في بناء الدولة فكان المنطق اللاعقلي في التفكير هو السائد واسقط العلم ومناهجه من حسابات الدرس كونهما يتعارضان في احيان كثيرة مع الثوابت الفقهية ومع ما تكلس في الوجدان والاحاسيس من صور دينية وطقوس وقناعات وبقي الواقع فارغا إلا من ثقافة الاموات ومن خزعبلات تثير القرف والاشمئزاز.

المصدر: اكد نيوز