يحذف منشوراته وبات يشعر بـ”العار”.. رسائل “فيسبوكية” تكسر الحاجز الطائفي في العراق

يحذف منشوراته وبات يشعر بـ”العار”.. رسائل “فيسبوكية” تكسر الحاجز الطائفي في العراق
كتب: آخر تحديث:

علي عبد الزهرة

حتى ألان لا يستطيع (أحمد) إستيعاب ما كان يدعو إليه في بدايات سيطرة تنظيم داعش، على عدد من المحافظات العراقية، في منتصف العام 2014، فيقول بنبرة خجولة: “كنت مضللاً. كنت أرى اهالي الموصل هو الذين ادخلوا عناصر داعش الى مدينتهم، وهم منتمين للتنظيم، ومن لم ينتمِ له فهو متعاطف معه، ومتعاون بشكل واضح”.

احمد (28 سنة)، المدون على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، يستدرك ان تلك الـ”واضح”، كانت في حقيقتها “غشاء منع رؤيتي للحقيقة المغايرة لها”، حيث اكتشف بعد اشهر قليلة ان الاهالي الذين يرزحون تحت وطأة حكم التنظيم الذي يعد ارهابياً، على الموستوى الدولي، ليسوا الا ضحايا “ثغرة أمنية كبيرة” مرة، ومرة اخرى، ضحايا للصور النمطية التي عمل على ترويجها التنظيم عبر ماكنته الاعلامية، بان يوصمهم بـ”الموالين” له.

 احمد تحول، خلال أشهر قليلة، من داعٍ إلى استخدام سياسة “الأرض المحروقة” (استخدام البراميل المتفجرة وإسقاطها على المدن) لإنهاء سيطرة داعش على المدن المحتلة، ومنها الموصل، إلى داعٍ للإسراع بتحرير المدينة بطرق تضمن سلامة المدنيين فيها.

هذا التغيير في الموقف يعزوه احمد الى ما شاهده من “مقطع فيديوي بثته احدى صفحات موقع (فيس بوك) تحمل اسم (عين الموصل)، تضمن المقطع عملية قطع يد لاحد الاطفال لا يتجاوز سنه الـ 15 عاماً، اتهموه بالسرقة وبيع السكائر!”.. من هنا كانت بداية التشكيك الذي أوصلني للحقيقة، يقول احمد.

وخلال سيطرة داعش على نحو 40% من مساحة العراق، عمد التنظيم بث المئات من الفيديوهات والمنشورات على موقعي (فيس بوك) و (تويتر) لتروج بداية الامر، لتعاون اهالي المدن المحتلة مع عناصره، وكذلك تدعو للالتحاق بصفوفه، واعلان  ما كان يسميها بـ”التوبة”، الا ان هذه الصور النمطية ما لبثت حتى بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً مع انطلاق حملات مضادة من قبل عدد من “الصفحات / البيجات” المتخصصة بذلك، لعل ابرز تلك الصفحات هي (عين الموصل) والتي تخصصت بنشر سلوكيات وانتهاكات وجرائم عناصر التنظيم بحق اهالي الموصل، خاصة وإنها كانت تدار من داخل المدينة، ويديرها الشاب الموصلي (عمر محمد).

وبالعودة لأحمد، فيتابع حديثه لـ( اكد نيوز ) بعدما عقد حاجبيه إلى الوسط، “لقد شعرت بالعار، حينما عرفت بأنني لم أكن على صواب، وان منشوراتي، كانت قد تتسبب بقتل أبرياء، فأكون شبيها بهذا الداعشي الذي قطع يد الطفل في مقطع الفيديو”، ويستطرد متنهداً: “عدت إلى حسابي الشخصي على (فيس بوك) وقمت بحذف جميع تلك المنشورات التي كنت اتهم بها اهالي الموصل بالداعشية”.

أحمد، الذي لا يزال يخجل مما كان عليه، لدرجة انه التمس عدم ذكر اسمه الكامل والاكتفاء بالاسم الاول، لم يكن الوحيد ممن وقع في فخ الماكينة الإعلامية التي استخدمها تنظيم داعش، والتي اعتمد فيها أساساً على سوابق الاحتقان الطائفي والتضليل الذي يعيش فيه نسبة كبيرة من مكونات المجتمع العراقي، تجاه بعضهم البعض، والانغلاق الذي زاد من التخندقات الطائفية والمكوناتية على حد سواء.

العديد من أمثال احمد، تذوقوا حدّي السيف؛ الكراهية والسلام، بعد ان عملت مجاميع من الشباب، على حمل أنفسهم للقيام بحرب الكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، مضادة لما يقوم به “داعش”، بموازاة العمليات العسكرية التي تخوضها القوت العراقية المشتركة على الأرض وتسندهم قوات التحالف الدولي، فنظموا حملات كان أبرزها (#محو_الداعشية) و (#رسائل_الى_الموصل) و (#خل_نتصافى) و (#داعش_يندثر) (#تنوع).

الصراع على مواقع التواصل الاجتماعي، كبير، كما تصفه المدونة والاعلامية جمانة ممتاز) التي تشير ايضا الى زحمة في ترويج الافكار على تلك المواقع، حيث هناك صفحات تكرس كل وقتها وجهدها لبث خطاب الاعتدال والسلام، تقول ممتاز انها “نجحت في استقطاب وتغيير طريقة تفكيير عدد كبير من الجمهور تدريجيا”.

ممتاز توضح، في حديثها لـ( اكد نيوز)، ان تلك “الصفحات كان لها دورا فاعلا أثناء عمليات تحرير المدن المحتلة من داعش، فبعدما كان هناك سخطا اجتماعيا على مجتمعات هذه المدن، استطاعت هذه الصفحات كسر دائرة العنف وإفهام الناس ان هناك فرق بين الارهاب وبين الناس المدنيين الذين علقوا في المدن التي احتلها الإرهاب، مستدركة ان “هذا لم يكن سهلا أبدا وإنما احتاج ثلاث سنوات من العمل وحتى بعد التحرير، لا نقول ان كل المجتمع الان يستطيع ان يفرز بين الحقيقة والخداع، لكن نسبة كبيرة أصبحت تستطيع ذلك وهذا تقدم يحسب لعمل هذه الصفحات”.

أما المدون والناشط المدني عمر الاغا، فقد تحدث لـ( اكد نيوز) عن صدمته خلال مشاركته مع عدد من المدونين بما يوصف محلياً بـ”الجيش الالكتروني” الذي ساند للجيش العراقي اثناء عمليات التحرير، والعمل بحملات ممنهجة للنصر على ماكنة داعش، بان “نجد نحن المدونون الذين تعود اصولنا الى المناطق التي يسيطر عليها داعش، بوجود هجمة من قبل مدونين اخرين ومن خلفهم جمهور واسع في (فيس بوك) يطالبون بجعل تلك المناطق محروقة هي ومن فيها من داعش والأهالي المحاصرين”، عندها يقول الاغا, وهو من أهالي محافظة الانبار التي سقطت بيد داعش بعد الموصل، وسكن العاصمة بغداد، يقول: “تغير المسار من التدوين ضد داعش إلى تبرير موقف الأهالي وكيف يمكن ان نقنع المقابل بسلمية المدنيين المحاصرين في المدن المحتلة, حتى تمكنا من ذلك بنسبة كبيرة، من خلال عدة حملات من بينها (#محو_الداعشية)، وحملات دعم الجيش، والذي كانت بينه وبين أبناء المناطق السنية فجوة كبيرة، حاولنا ان نعيد ثقة الأهالي به، ونجحنا أيضا”.

وبعد تحرير الانبار شتاء 2016، يوضح الاغا، ان الحملات تركزت على كيفية استقبال الأهالي للجيش والقوات المحررة الاخرى، والترحيب بهم.. وبهكذا حملات وفيديوهات استطعنا إسكات من كان يريد حرق المدن”.

وتشير دراسة اعدتها  الأكاديمية الألمانية للإعلام (MICT) في عام 2016، ان (14) مليون عراقي يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات وتبادل الاراء والمواقف حول الاحداث اليومية.

ومن بين ابرز الحملات التي اعقبت تحرير الانبار، ومهدت لتحرير محافظة نينوى في 2017 – والتي كان يتخذها تنظيم داعش عاصمة لدولته المزعومة – حملة (#رسائل_الى_الموصل) حيث بدأت على موقع (فيس بوك) لتنزل الى الواقع بجمع الشباب لأكثر من (4) ملايين رسالة مكتوبة بخط اليد من قبل ابناء مختلف المحافظات العراقية، تم بعد ذلك إلقاءها على اهالي الموصل خلال سيطرة التنظيم على المدينة، بواسطة طيران الجيش العراقي.

تقول جمانة ممتاز، وهي من اهالي مدينة الموصل، وشاركت في حملة الرسائل الى المدينة، انها التمست تغييرا واضحا في نظرة الناس لأبناء المدن المحتلة آنذاك من خلال تعليقات المتابعين لها على مواقع التواصل الاجتماعي، “فبعد ان كان هناك ناس يكتبون لي تعليقات سيئة وتعليقات فيها هجوم على الموصل وخطاب كراهية وكنت متعمدة ان لا أقوم بحذفهم او حظرهم من صفحتي، التمست تغيرا في خطابهم وخصوصا اثناء المعارك وجدت منهم تعليقات مؤازرة ودعوات وأماني بتحرير المدينة وعندما حررت الموصل قاموا بتهنئتي على الخاص”.

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

  • هذا التقرير اعد ضمن مشروع ( تصالح ) الذي تنفذه الاكاديمية الالمانية للاعلام في العراق (MICT) بدعم الوكالة الدولية لتنمية الاعلام (CFI)، سنة 2018 .