الهجرة المندائية…العراق مهدد بفقدان أقدم مكوناته

الهجرة المندائية…العراق مهدد بفقدان أقدم مكوناته
احد المسلمين العاملين في المندى الصابئي وهو يصلي
كتب: آخر تحديث:

الديوانية / حيدر إنذار

انفجرت بالبكاء وتغيرت تقاسيم وجهها بعد ان رأت، ابنها الوحيد وهو يحزم حقيبته ليهاجر خارج العراق، أم رفيف المندائية، تصرخ مع تنهيدة ألم وحزن شديدين خرجا من اعماقها، ألست انسانة! ألست عراقية! ألا يحق لي ولأبنائي العيش في هذا البلد؟

تذكرت أم رفيف المندائية، ذلك اليوم الحزين الذي هاجر فيه رامي، إلى احدى الدول الاوربية بسبب التهميش والاقصاء الحكومي المتعمد الموجه ضد مكون الصابئة المندائيين في الديوانية، الذي دفع الكثير منهم إلى الهجرة خارج البلاد.

يسكن محافظة الديوانية (180كم جنوب بغداد)، أكثر من (500) شخصا من أقلية الصابئة المندائيين، يشكلون (90) عائلة في المدينة إلا أن أغلبهم قد هاجر بعد العام 2003 ولم يتبقى منهم الآن سوى (105) شخص يشكلون (30) عائلة اغلبهم من كبار السن وقد رزموا حقائب الهجرة للالتحاق بأبنائهم في المهجر.

صورة المندى من الجهة الامامية

بوصلة نحو الهجرة

تتكلم المندائية، ودموعها تسيل على وجنتيها، قائلة ” عند خروج رامي من باب الدار تيقنت بأنني لن ألتقيه مجددا وراودني شعور مؤلم بفقدانه”.

وتضيف “تعرض ابني لازمة نفسية حادة وأصيب بالاكتئاب، بسبب الممارسات الحكومي التي منعتنا من ابسط حقوقنا في العيش الكريم، ونتيجة لذلك هاجر وترك الوطن، وحاولنا ان نقنعه بالعدول عن الهجرة لكن جميع خياراتنا استنفذت”.

المندى على ضفاف نهر الفرات بالديوانية

 

 

الدعوة لإعتناق الإسلام!!

تألمت أم رفيف وشعرت بالتمييز الموجه ضدها حين دعاها أحد تلاميذها إلى العدول عن دينها وتغيره في حادثة جريئة من نوعها قبل أربع سنوات، وهي مدرسة اللغة الإنكليزية في احدى مدارس الديوانية، فتبين “في احدى المرات أحد تلاميذي في الصف الرابع اعدادي، طلب الحديث معي على انفراد فتبادر إلى ذهني بانه سيسألني عن شيء في مادة اللغة الإنكليزية لم يكن واضحا له، لكنني تفاجأت بانه يقول لي: لماذا لا تعتنقين الإسلام! وراح يدعوني إلى اعتناق الدين الإسلامي ويعتبرني كافرة حسب فهمه ومعتقده، وهذا الموقف آلمني جدا”.

مندائية بهيئة “مسلمة”

تجلس المندائية، وهي مرتدية الحجاب الإسلامي وتوحي هيئتها الخارجية على انها مسلمة، وتترقب كل يوم أحد على أمل أن تتلو تسبيحات من كتاب الطائفة المقدس(كنزربا) لتدعوا الحي العظيم بعودة ابنها رامي من المهجر، لكن لا يوجد مندى(معبد) في الديوانية لتمارس فيه طقوسها الدينية التي حرمت منها على مدى تسع سنوات متتالية ولا يعينها جسدها النحيل الانتقال إلى محافظة أخرى لتأديتها.

طقوس منسية

بدأت أم رفيف تنسى مع غيرها من المندائيين في الديوانية مراسيم طقس التعميد، مبينة ذلك أن” التعميد هو أهم الطقوس الدينية لدى الصابئة المندائيين، وهو ان يرتمس الشخص ثلاث مرات بكامل جسده مع ارتداءه ثياب التعميد البيضاء في ماء النهر الجاري”.

وأكدت” أنا شخصيا بدأت أنسى التعميد كوني منذ تسعة أعوام لم امارس هذا الطقس والسبب هو عدم اكمال المندى (المعبد) في المحافظة”.

بدوره يقول، رئيس مجلس شؤون طائفة الصابئة المندائية في الديوانية، خالد ناجي،” من غير المنطقي ان نشاهد آلاف الجوامع والحسينات، يؤدي المسلمون فيها طقوسهم وعباداتهم الدينية في الديوانية، ونحن لا نملك (مندى) واحد خاص بالصابئة في المحافظة!”.

ويبين أن” مشروع انشاء المندى الخاص بالصابئة تمت الموافقة عليه في العام 2012، على مساحة 800م2 على ضفاف نهر الفرات في الديوانية، وخصص له مبلغ من أموال دائرة مجلس شؤون الطائفة وليس من وزارة المالية، ورغم ذلك للأسف إلى الآن لم يكتمل بسبب الإجراءات والإهمال الحكومي المتعمد!”.

حرق المندى

“تعرض المندى في مراحل انشائه الأولى إلى حرق متعمد في العام 2013 من قبل مجهولين ودمر بالكامل”، كما أشار ناجي.

وبخصوص هجرة المندائيين شبه الجماعية من العراق والديوانية على وجه التحديد، يوضح رئيس مجلس شؤون طائفة الصابئة المندائية، قائلا، ” نشعر بعدم وجود اهتمام سياسي من قبل الحكومة تجاهنا كمكون ولم يشرع البرلمان العراقي قوانين لحمايتنا، والكثير من المندائيين تعرضوا إلى عمليات اغتيال في بعض المحافظات ولم يكشف عن الجهات التي تقف ورائها”.

صورة المندى في الديوانية

محافظ الديوانية: الحكومة “اجرمت بحق الأقليات”

من جانبه وصف محافظ الديوانية سامي الحسناوي، بـ “اجرام” الحكومة المركزية بحق الأقليات قائلا، إن” الحكومة المركزية قد (اجرمت) بحق المكونات والأقليات، من خلال عدم اهتمامها بهم وباستحقاقاتهم”.

وأكد ” ألتقيت بوزيرة الاعمار والإسكان آن الاوسي، والتي هي من المكون المسيحي، ورافقني رئيس مجلس شؤون الصابئة المندائيين والتي توقعت ان تتعاطف معه لكونه من الأقليات مثلها وتستثني مشروع (المندى) من التوقف لكنها لم تتعاطف معه وكأنك تتحدث مع “صخرة”، حسب وصفه.

ولفت محافظ الديوانية،” لقد قدمت مقترح إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي باستثناء الأقليات من شروط القبول والتعيين بمؤسسات الدولة للحفاظ على بقائهم، لكن الرد كان بالسلب والتذرع بعدم وجود قانون مشرع يستثني الأقليات”.

وأشار الحسناوي إلى أن” الحكومة المركزية أطلقت العمل بجميع المشاريع المتوقفة منذ العام 2014 ومنها مشروع المندى وقد باشر العمل به مؤخرا”.

صديق الطفولة المندائي قد هاجر!

شوارع وأزقة منطقة السراي القديمة في مدينة الديوانية، كانت شاهدة على صخب ولهو المهندس الاستشاري ناظم مهدي (58 عاما)، مع صديق طفولته جبار المندائي.

لازالت صور ذكريات مهدي، مع أبناء الديانات الأخرى التي هاجرت المدينة وافرغت منها عالقة في ذهنه، قائلا، ” مدينة الديوانية ذات طابع مجتمعي متنوع فكان اليهود والمسيحيين والمندائيين يسكنوها، ولم يتبقى منهم غير المندائيين للأسف، عشنا طفولة جميلة معهم وأزقة هذا الحي وجدرانه القديمة لا زالت تحتفظ بصدى صراخنا ونحن نلعب ونلهو فيها، ولم نميز بين دين أو طائفة”.

الموت في المهجر

نصب المهندس الاستشاري السرادق لإقامة مجلس العزاء على روح صديقه المندائي، بعد أن توفي في بلاد المهجر، قائلا” جاري أبو ظافر المندائي من أعز أصدقائي قد هاجر مع عائلته قبل أربعة أعوام إلى تركيا وتوفي في المهجر رحمه الله ودفن هناك بعيدا عن وطنه، سمعنا بالخبر وتألمنا جدا، ولاعتزاز المدينة به أقمنا مجلس عزاء امام داره القديم وحضره جميع أبناء المدينة”.

ماذا حل بمنازل المندائيين بعد هجرتهم؟

يكشف المهندس الاستشاري ماذا حل ببيوت المندائيين في المدينة بعد هجرتهم، قائلا” لقد تحول منزل أبو ظافر إلى مول تجاري بعد هجرته وجاري المندائي الآخر قد شُغل داره من قبل دائرة هيئة النزاهة، أما أبو نوري المندائي فقد استأجر منزله أحد أعضاء مجلس النواب العراقي السابق”.

ويضيف أن ” تهجير باقي عوائل الصابئة المندائيين في المدينة وأقول (تهجير) وليس هجرة؟ كون الوضع في المدينة رجعي ومتطرف، ولم يتيح لهم العيش بحياة هادئة، بعد العام 2003، وثقافة العنف والطائفية قد عمقت الجرح بالنسبة للمندائيين في المدينة والعراق بصورة عامة ودفعتهم نحو الهجرة”.

توجه حكومي لإفراغ العراق من الاقليات!

الأستاذ في كلية الآداب قسم الاجتماع بجامعة القادسية، صلاح كاظم، يكشف عن توجه حكومي خطير لإفراغ العراق من الاقليات، حيث بين أن ” التوجهات الحكومية ما بعد عام 2003، ركزت على افراغ العراق من الاقليات وجعله مجتمع منغلق ذات لون وعرق معين ليتفكك نسيج المجتمع وتسيطر عليه وتتحكم بمقدراته”.

وأضاف، الأستاذ الجامعي، ان” كل أفعال الحكومات منذ 15 عاما، نحو رفض وتحجيم دور الأقليات وغض الطرف عن خطاب الكراهية، ما اجبر هذا السلوك إلى هجرة اغلب مكونات المجتمع العراقي وبأعداد كبيرة، وآخرها الهجرة المندائية”.

تقف أم رفيف المندائية في طابور الانتظار امام السفارة الفرنسية ببغداد على أمل الحصول على تأشيرة (شنغن) للقاء ابنها رامي في سويسرا.

هذا التقرير واحد من نتاجات مشروع (تصالح) لمنظمة (CFI) الفرنسية و(MICT) الاكاديمية الالمانية للأعلام، الذي تم تنفيذه من قبل مجموعة من الصحفيين في العراق للعام 2018.

رابط الفيديو:

الهجرة المندائية…العراق مهدد بفقدان أقدم مكوناته

المصدر: اكد نيوز