احدث خبراضاءات ثقافية

قصة قصيرة “أرجوحة نيسان” للكاتبة خولة جاسم الناهي /العراق

-” أتعرفين؟ لا شيء يضاهي رائحة العشب بالندى !”
– ليس للندى رائحة في ذاكرتي ولكن له مذاق الرحيق السماوي !!
سأحكي لكِ حكايتي مع الندى ولكن على شرط ان لا تستعيري ذكرياتي وتدسينها بين ذكرياتك البعيدة ، اعلم ان بعض الذكريات تُغرينا بالاستحواذ عليها .
اطمئني لن اسرق ذكريات طفولتك!
اذن سأخبرك قصة حديقتنا القديمة وكؤوس الندى الربانية فيها :
في احد الأيام جاء ابي بشجرة جديدة لحديقتنا متنوعة الاشجار ، هي (نخلة) الموز وقرر غرسها في حديقة المنزل الأمامية . وسرعان ما تكاثرت تلك الشجرة لتصبح لدينا غابة صغيرة منها. كانت تلك الحديقة بعض من خضرة يدي ابي وكرم نفسه ، فأنا لم ارَ بحياتي لها مثيل . اشجار موز دائمة الخضرة، اشجار بمبر وسدر ورمان، ورود جوري تدرجت الوانها بين بيضاء وحمراء ، ازهار موسمية متنوعة وعريشة كروم صبغها ابي باللون الابيض تتلألأ عناقيد العنب الاسود والابيض خلالها. ويكمل المشهد وجود ارجوحة كبيرة بيضاء فيها. فكما كان يقول ابي منظر الحديقة في نيسان يحتاج الجلوس في ارجوحة لتأمله. الارجوحة لم تكن كبيرة فعلا ولكني تمنيتها صغيرة لهذا اعتبرتها دائما كبيرة.
اعترف اني اسرفت في التفاصيل ، كنت اود ان احدثكِ عن اشجار الموز . هل سبق لكِ ان رأيتها ، تلمستِ اوراقها، هل تعرفين كيف تتكون ثمارها، وكيف تتفتح ازهارها بالتدريج حلقة فحلقة ؟!
حقيقة لم ارها واقعا . ولكن لدي فكرة من برنامج التلفزيون.
فعلا الامر ، في الحقيقة مختلف عن الافلام الوثائقية . فزهرة (نخلة) الموز تتفتح كل يوم عن نصف دائرة من الازهار وتتساقط احد بتلاتها ذات اللون الارجواني المائل للبنفسجي. هذه البتلة تكون كبيرة بحجم كف اليد وهي تشبه آنية من البورسلين على شكل ورقة ( او تشبه زورقا صغير) يتجمع بداخلها الكثير من الندى . كنا نتبارى أنا واخوتي على الاستيقاظ مبكرا لشربه . لا يشبه بمذاقه شيء، ذلك الرحيق السماوي. وحتى عندما تكاثرت اشجار الموز وثماره وتعددت البتلات المتساقطة لم نتوقف عن التباري في شربه . لن تكتفي هي عن رحيقها الالهي ، ولن نرتوي نحن من شربها ابدا. انها الرحيق المختوم صديقتي.
سأحاول زراعة شجرة موز لينعم ابنائي بهذه التجربة.
لا انصح بذلك .
لمَ ؟!
هي اللعنة التي ترافق هذه الشجرة!!
اللعنة ! عن اية لعنة تتحدثين؟
يبدو انكِ على اضطرار لسماع قصة اخرى اليوم ، هي قصة اخرى من نبوءات كاسندرا *
سولفي **
عندما جاء ابي بهذه الشجرة حذرته جدتي ان لا يفعل ، قالت له : لا تزرع شجرة موز امام باب المنزل ، فهي لا تقبل سيدا عليها وستبعدك عنها !
أبي كان عنيدا، من سلالة تضرب رأسها بالصخر ولا تتراجع. ومصيبته الاخرى ايمانه بالعلم والمنطق كمثل رجال جيله ، ما استمع وما كان سيستمع لنصيحة امرأة من زمن الخرافة مثل جدتي! وتجاهلها مثل كل ابطال القصص الذين تجاهلوا نصائح الالهة فأصابتهم بلعناتها!!

وحدث المحذور! هل كانت مصادفة ؟ هل كانت نبوءة ؟ أم انها لعنة؟
ما زلت في السؤال العتيق . هل زرع كل الرجال الذين لم يعودوا من الحرب اشجار موز استوائية في حدائق منازلهم؟ هل كل الذين زرعوا اشجار الموز لم يعودوا للديار؟
في نوبة غضب قاسية قامت امي باقتلاع كل اشجار الموز من الحديقة على امل أن يعود ابي ، لكنه ما عاد! ماتت اشجاره ، الواحدة تلو الاخرى ربما حزن عليه كما كنا وما زلنا نظن.
اقتلع اخوتي الصبيان عرائش الكروم من اجل صناعة اقفاص لطيورهم وابي مازال بعيدا بالبعد!
لم يتبق من حديقته سوى ارجوحة يعلوها الصدأ بقيت تئن حزنا على فراقه عشرات من الأعوام وما زلت تجدد نحيبها كلما تذكرت انه لم يعد مع العائدين ..
في نيسان الماضي اشتريت ارجوحة جديدة يا صديقتي فـ ” لكل هذا (الانتظار) ارجوحة واحدة لا تكفي” ***. وبخطوة لم نتفق عليها انا واخوتي اصبح لكل منا ارجوحة ننتظر فيها عودة الغائبين!!

***********************************

(*)كاسندرا : هي ابنة ملك طروادة والتي اشتهرت بنبواءاتها التي لا يتحقق الا السيء منها بسبب لعنة الإله ابولو بعد ان رفضت حبه!
(**) سولفي = رواية الحكاية او السالوفة
(*** ) من قصيدة “شاعر واحد يكفي ” للشاعر كريم جخيور. البيت الأصلي ” لكل هذه الطفولة ارجوحة واحدة لا تكفي” .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قصة ممتعة ومكتوبة بتقنية اعتمدت حبكة ذات نفس تصاعدي.
    لقد وجدت فيها لعنة الحروب التي غذت نبوءاتنا المتشائمة حتى ان المنطق لم يصمد امام اعلان عداوتنا لشجرة الموز ..
    ابداع احسدك عليه.. دمت بخير

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: