إثبات الهوية معاناة ما بعد النزوح

إثبات الهوية معاناة ما بعد النزوح
اثبات الهوية
كتب: آخر تحديث:

أكد نيوز – حيدر انذار

ولد الياس في أعماقه، وداهم الضياع روحه بفراق بقعة وطن قد تلوثت بنعيق غراب كالح بسواده، في بلد يطلب التأشيرة من مواطنيه داخل اسواره، هناك سمع مئذنة الجامع تنادي: ها قد أقدمت عليكم داعش فانجوا بأنفسكم، خرجت عائلة أبو أحمد التركمانية مسرعة من دارها، صرخت فاطمة الصغيرة باكية، تعثرت أم أحمد فقدماها لا يعيناها على السير ارتجافا من الخوف، تفقد رب الاسرة مستمسكات عائلته وضرب على يده حسرة: لقد نسينا الوطن.

” الاخبار التي وردت لقضاء تلعفر بأن الحكومة قد إنهارت في الموصول ومسلحي تنظيم داعش قد توجهوا الى قضاء تلعفر للسيطرة عليه وفعلا إستطاعوا ذلك وإحتلوا القضاء بأكمله ووصلوا الى المنطقة التي اسكنها وسط القضاء وسمعت مئذنة الجامع تنادي بان داعش قد وصلوا الى مناطقنا وعلينا الإسراع في ترك منازلنا والا تعرضنا الى مذبحة كاملة على ايدهم ” هذا ما قاله الى وكالة [أكد نيوز]، أبو احمد (52 عاما) نازح عراقي من المكون التركماني يسكن قضاء تلعفر جنوبي مدينة الموصل.

نسيان الوطن

 معاناة العوائل النازحة لا تتوقف عند النزوح وترك البيوت والتشرد في الجبال وعلى المعابر والجسور، بل تمتد الى ما بعدها وخصوصا أولئك الذين لم يجلبوا المستمسكات أو ما يثبت انهم عراقيون.

ويكمل النازح من المكون التركماني  ” لقد أسرعنا في الخروج وحملنا ما خف وثمن من أغراض البيت والأطفال في حالة هلع ابنتي فاطمة الصغيرة تبكي خائفة واحمد الكبير تجمد في مكانه من الخوف أمه لم تساعدها قدماها على السير لكثرة إرتجافهما رعبا من داعش ، والكبار قد جحضت أعينهم من الخوف واستقرت في أعماق جماجمهم وصابنا الارباك والخوف في هذه الاثناء ونحن في طريقنا بعد أن بعدنا عن البيت بحيث لا يمكن الرجعة اليه تذكرت باني لم أجلب الأوراق الثبوتية الجنسية  (هوية الأحوال المدنية) لجميع العائلة فصفقت براحة يداي وصرخت بانني قد نسيت أن أجلب ما يثبت باننا عراقيون، وقد نسينا الوطن”.

عائلة أبو أحمد لم تنته الى هنا معانتهم بل ما زاد الطين بلة عندما وصلوا الى بغداد بعد أيام من نزوحهم ولم يجدوا مأوى غير خربة خالية الفضاء لا تقي من حر ولا بر حسب قوله ” عندما وصلنا الى بغداد كنا نتصور باننا سنُستقبل في المخيمات وسيكون حالنا أفضل لكن للأسف لم نجد غير خربة تستقبلنا بكل ماسي الإنسانية وراح الأهالي يستعطفون علينا ويساعدوننا ببعض الاكل ما نسد به جوعنا وبعض الملابس المستخدمة لستر اجسادنا”.

الشعور بالضياع

 كلما تذكرت العائلة النازحة كيف نست المستمسكات الثبوتية يصيبهم شعور بالضياع كما يصف ربي العائلة” كان الشعور بالضياع يلازمنا كلما تذكرنا باننا نسينا الأوراق الثبوتية للعائلة ويخيم علينا شعور بالضياع، وما يزيد من شعورنا هذا للأسف رجال الامن ويشعروننا باننا غرباء  داخل وطنننا بسبب المعاملة السيئة من بعضهم، لكن الله لا يترك عباده في هذا الضياع حيث عرضت علينا منظمة مجتمع مدني بعد ان اطلعت على حالنا وعلمت بمأساتنا قدمت لنا المساعد ومدت يد العون وتكفلت بتوكيل محام من المنظمة لإصدار الجناسي (الأوراق الثبوتية) لجميع العائلة مشكورة”.

جاء الفرج

مراقبة الحماية الاجتماعية في جمعية نساء بغداد، صابرين خشان، تبين في حديث الى [أكد نيوز] كيف تكفلت الجمعية بإصدار المستمسكات الثبوتية للعائلة النازحة وتوكيل محام لهم حيث قالت إنه “بعد الزيارات الميدانية من قبل فريق العمل بالجمعية تم زيارة بعض المجمعات للنازحين أثر الاعمال الارهابية لداعش حيث تم ابلاغنا بان بعض العوائل لا تمتلك المستمسكات الثبوتية (هوية الاحوال المدنية) وان نفوسها محافظة نينوى “.

وتضيف خشان أن ” وزارة الداخلية بعد عملية النزوح الشبه جماعية ولكثرة العوائل التي لا تمتلك مستمسكات ثبوتية سهلت الامر بعض الشيء وجعلت مركز نفوس محافظة نينوى وبالتحديد تلعفر في محافظة النجف الاشرف لغرض إستخراج المستمسكات الثبوتية للعوائل النازحة، وتكفلت الجمعية بإصدار الجناسي لعائلة أبو أحمد وتم الذهاب الى وزارة التجارة لغرض الحصول على بودرة للنازحين التي تحتوي عن معلوماتهم وتم التنسيق مع الدائرة المختصة وجلبهم للحصول على البودرة، وتوجهنا الى النفوس الخاصة بمنطقة سكناهم لغرض اصدار جناسي لهم.”.

مدير الجنسية يستفز النازحين

صعوبات واجهت استخراج الجناسي للعائلة النازحة وإبتزاز من قبل بعض أفراد الشرطة كما قالت المحامية دعاء مظفر نجم، التي وكلتها الجمعية عن العوائل النازحة لغرض اصدار الجناسي لهم تروي لنا كيف واجهتها ” تم مواجهة بعض التحديات من قبل الموظفين وخصوصا من قبل مدير الجنسية وتعامله الغير للائق مما أدى الى زيادة التحدي لدينا لمعرفة كيفية الحصول على الجناسي، واجرينا الاتصال بضابط برتبة مقدم في وزارة الداخلية لغرض الاستفسار منه عن الاجراءات وتم التعاون معنا لتسهيل المهمة امامنا وارشادنا الى الطريق الأقصر قانونيا”.

الشرطة تلمح بالرشوة

يبدوا أن بعض عناصر الشرطة لا يكترثون من طلب الرشوة حتى في مثل هكذا حالات إنسانية كما وضحت لنا المحامية” لقد واجهت الكثير من التأخير بإجراء سير المعاملة بخصوص الدوائر ومراكز الشرطة ولقد لمح لي بعض أفراد الشرطة بطلب الرشوة بغية التسهيل والإسراع بالإجراءات لكنني أصريت على عدم اعطائهم الرشوة لأبين دناءة موقفهم هذا بمثل هكذا حالة إنسانية”.

 وتتابع نجم ” بعد العناء الكبير في سير المعاملة تم تزويدنا بالإجراءات التي يجب علينا القيام بها قبل الذهاب الى نفوس تلعفر التي كانت مقرها في محافظة النجف ومنها الذهاب الى المجلس البلدي الخاص بمنطقة سكناهم لغرض تأييدهم وتم الحصول عليه من المجلس البلدي وتوجهنا بعدها الى وزارة الهجرة والمهجرين لغرض الحصول على تأييد الوزارة واثبات العوائل بانها فعلا نازحة ومسجلين ضمن الاسماء المهجرة وتم اخذ  العائلة النازحة المكونة من عشرة افراد الى الوزارة وبالفعل تم الحصول على تأييد من قبل الوزارة وتصديقه من عدة أماكن”.

الشعور بالانتماء

بعد الإجراءات والمماطلة بسير المعاملة تم أخيرا التوجه الى المحكمة في النجف المختصة بإصدار الأوراق الثبوتية للنازحين من تلعفر وبدأت عائلة أبو أحمد تستشعر قليلا بانتمائها للوطن.

وقالت المحامية الموكلة عن العوائل النازحة ” توجهنا الى المحكمة المختصة بإصدار بطاقة الأحوال المدنية للنازحين من تلعفر وتم تقديم طلب الى القاضي المختص بالفقدان وتم الموافقة عليه واكمال الاجراءات المتعلقة والتوجه الى مركز الشرطة لإكمال كتاب الفقدان”.

التأخير مرة اخرى

يبدو ان الفأل السيئ لا يرضى أن يفارق العائلة فقد واجهت سير إجراء عملية إصدار الهويات صعوبات أخرى ” الصعوبات والتأخير يتدخلان مرة أخرى فقد واجهتنا صعوبة في اكمال الإجراءات بمحكمة النجف حيث تم اخذ النازحين وتدوين اقوالهم بشأن الفقدان وأعلمنا بان الكتاب لا يكتمل بأقل من ثلاثة أيام، وقلنا لا باس ننتظر، ولكن سرعان ما تغير الامر وتأخير لأكثر من اسبوعين رغم المراجعات المستمرة على الكتاب وبشق الانفس تم الحصول على الكتاب بعد الاتصال بوزارة الداخلية للتدخل في تسهيل الاجراءات”.

مدير الجنسية يطرد المحامية

وتوضح المحامية في جمعية نساء بغداد أنه “بعد الحصول على الكتاب تم الذهاب الى النفوس لغرض الحصول على إثبات حضور النازحين في النفوس التابعة للمنطقة التي هم ساكنين فيها ومن ثم يتم الذهاب الى نفوس تلعفر ولكن تم مواجهة نفس التحديات من قبل المدير وخصوصا بعد اخذ جميع الاوراق التي تثبت بأنهم نازحين وتمت مواجهة تحديات من قبله ورفض، حتى بعد اتصال الضابط في وزارة الداخلية به لغرض اكمال الاجراءات وتم طردي من الدائرة ولكن بعد عدة مناقشات معه تم الحصول على الموافقة لغرض إثبات حضور النازحين في النفوس “.

وتستدرك قائلة “بعد إكمال كافة الإجراءات طلبت المحكمة حضور العائلة النازحة لغرض اصدار الجناسي لهم وتم تقديم كل الاوراق المطلوبة لهم لغرض اصدار الجناسي، تم أخيرا وبعد عناء كبير الحصول على (10) جناسي لجميع أفراد العائلة النازحة”.

تنفست الصعداء أخيرا عائلة أبو أحمد التركمانية النازحة من قضاء تلعفر جنوبي الموصل، بعد حصولها على هوية الأحوال المدنية وإثبات عراقيتهم بشق الانفس داخل وطنهم الذي وصل اعداد النازحين فيه الى قرابة الأربعة ملايين نازح. /انتهى