مقال نستعرض تعريفًا موجزًا بكتاب “قواعد تحقيق المخطوطات” للدكتور صلاح الدين المنجد

مقال نستعرض تعريفًا موجزًا بكتاب “قواعد تحقيق المخطوطات” للدكتور صلاح الدين المنجد
كتب: آخر تحديث:

في هذا المقال نستعرض تعريفًا موجزًا بكتاب “قواعد تحقيق المخطوطات” للدكتور صلاح الدين المنجد، مع المقارنة بينه وبين كتاب “تحقيق النصوص ونشرها” للشيخ عبدالسلام هارون.

 

أولًا: التعريف بصاحب الكتاب:

 هو الدكتور صلاح الدين عبد الله محمد سليم المنجد، وهو علم من أعلام التراث في العالم العربي. ولد بدمشق بحي القيمرية، ونشأ ببيت علم وقرآن وأدب، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة البحصة، أما المرحلة الثانوية فقد أكملها بالكلية العلمية الوطنية، وكان من أساتذته فضيلة الشيخ العلامة محمد بهجة البيطار والشاعر الكبير خليل مردم بك، واتصل في عام 1940م بعلامة الشام محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، وهو الذي نصحه بالتوجه إلى التراث العربي المخطوط، وخاصة تاريخ مدينة دمشق وعلمائها، التحق بعد حصوله على الشهادة الثانوية بدار المعلمين العليا، وعمل بعد تخرجه من دار المعلمين سكرتيرا للتعليم العالي والفني بوزارة المعارف، وانتسب خلال عمله بوزارة المعارف إلى كلية الحقوق، وحصل على ليسانس الحقوق بعد ثلاث سنوات، وتدرج في وزارة المعارف حتى عين مديرا للعلاقات الثقافية والبعثات، وابتعث للحصول على شهادة الدكتوراه وحصل عليها في القانون الدولي العام والتاريخ من جامعة السربون، وعمل مديرا لمعهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية، ثم مستشارا به، وظل بالمعهد حتى عام 1961م، حضر كثيرا من المؤتمرات العربية والدولية، وحاضر في كثير من المعاهد والجامعات؛ مثل معهد الدراسات العربية العليا، وجامعة فرانكفورت، وجامعة برنستون، وهو من العلماء الموسوعيين في ثقافتهم؛ وله عدد من المؤلفات يزيد على 150 مؤلفا في كثير من العلوم؛ فمنها المعاجم، والدراسات التاريخية، والسيرة النبوية، والمؤلفات الأدبية، ودراسات عن الخطوط، والفكر السياسي المعاصر والوثائق السياسية، والاستشراق، والمخطوطات العربية فهرستها وتحقيقها، والدراسات الأثرية والتاريخية عن دمشق وسورية، والمخطوطات المحققة، والدراسات الإسلامية والفقهية والفتاوى. وأتاحت له إدارته لمعهد المخطوطات زيارة كثير من مكتبات العالم الزاخرة بالتراث العربي المخطوط، فانتقى النفيس منها وصوره ليحفظ في المعهد، وأصدر خلال إدارته للمعهد مجلة معهد المخطوطات العربية وهي أول مجلة متخصصة في العالم العربي في أمور المخطوطات والتراث. ومن جليل خدمته للتراث وضعه قواعد لتحقيق المخطوطات وقواعد لفهرستها لاقتا القبول عند العلماء والدارسين.

 

 

ثانيًا: التعريف بكتابه «قواعد تحقيق المخطوطات»:

 ألف الدكتور صلاح الدين المنجد «قواعد تحقيق المخطوطات»، ونشرها في مجلة معهد المخطوطات، مج1، ج2، ربيع الأول 1374هـ- نوفمبر 1955م، (ص317-337)، وكان آنذاك مديرا للمعهد، وقد طبعت عدة طبعات بعد طبعتها الأولى في مجلة المعهد، وهذا التاريخ يعني أنه ألفها بعد زمن حافل بالعمل في مجال التراث وتحقيقه والعناية بالمخطوطات. بدأ قواعده بمقدمة تكلم فيها عن سبق المستشرقين إلى نشر تراثنا العربي، وأن العرب بعضهم نجح في أن ينسجوا على منوال المستشرقين، وبعضهم أخفق في ذلك، وذكر أن على ناشري النصوص من العرب اتباع طريقة المستشرقين والاطلاع على قواعدهم واقتباسها أو اقتباس الجيد منها.

ثم ذكر غايته من تأليف قواعده وهي: توحيد طرق النشر والتعريف به، وعن مصادره فيها ذكر أنه استقاها من نهج المستشرقين الألمان ومن خطة جمعية (غيوم بوده) الفرنسية ومن قواعد المحدثين القدامى في ضبط الروايات وما نشر في هذا الموضوع من قبل، ومن تجاربه الشخصية في التحقيق. وتكلم في بداية الكتاب عن الدراسات السابقة عليه في هذا المجال ونقدها باختصار، وخص بالنقد كتاب الشيخ هارون. ثم تحدث عن جمع النسخ وترتيبها، وتقسيمها إذا كثرت إلى فئات، وكيفية ذلك والمراجع المساعدة فيه. ثم عن تحقيق النص، وأن غاية التحقيق تقديم المخطوط صحيحا كما وضعه مؤلفه دون شرح، داعيا إلى ترك التعليق على النص إلا بتصويب الأخطاء وإثبات اختلاف الروايات، معتبرا التعليق تبجحا بالعلم والمعرفة ممن يصنعونه. ثم ذكر المقابلة بين النسخ وطريقة إثبات الفروق وتصحيح الأخطاء والزيادة والنقصان على الأصل، منبها على اصطلاحات الرسم القديم من حيث الإهمال والإعجام والاستشكال والتضبيب والتصحيح، ثم تكلم عن قضية الرسم وأن على المحقق اتباع الرسم الإملائي الحديث، وذكر زمرة من الألفاظ المختصرة. ثم تحدث عن ضبط ما أشكل من النص بالشكل، وكيفية كتابة العناوين، وتقسيم النص وترقيمه، وكيفية كتابة الأحاديث، وتكلم عن علامات الترقيم الحديثة، ثم ذكر الحواشي وطرق كتابتها، وأن فيها مذاهب. ثم ذكر التعليق على النص وأن فيه مذهبين: أحدهما مغال في التعليق والشرح، والآخر يقتصر على اختلاف النسخ وتصويب الأخطاء. واختار الرأي الثاني؛ بناء على أن المراد من التحقيق إبراز النص صحيحا كما وضعه المؤلف، وأن مجرد ذكر اختلاف النسخ يبين الصحيح من الخطأ، فليقتصر عليه المحقق مضيفا إليها توثيق نقول المؤلف.

ثم ذكر مصادر النص وقصد بها توثيق نقول المؤلف وتخريج الآيات، والأحاديث، والأشعار والشواهد، أما الأعلام والبلدان والألفاظ فلا يرى التعليق إلا على ما يتصل بتصحيح ما بها من خطأ فقط، أما التراجم والشروح فتوضع في ملاحق آخر الكتاب، فإذا تعذر فليقتصر في الترجمة على ذكر الوفاة ومصدر الترجمة. ثم ذكر أنه يجب إثبات السماعات والإجازات بنصها، ويقدم لها بموجز بحرف صغير يبين فيه اسم المسمع وعدد السامعين واسم القارئ ومثبت السماع، ومكان السماع، وتاريخه. ثم ذكر أهمية الفهارس وأن غايتها تيسير الاستفادة من الكتاب، وأنها تختلف باختلاف موضوع الكتاب، وأنه ينبغي ألا يغالى فيها، وأن الفهارس التقليدية هي: فهارس الأعلام، والأماكن، والبلدان، والكتب الواردة في النص، ثم يجعل في كل كتاب ما يستوجبه موضوعه. وذكر وضع مقدمة للكتاب تتضمن الكلام عن موضوع الكتاب وما ألف فيه، وشأنه بين الكتب التي ألفت في موضوعه، وترجمة المؤلف ومصادر ترجمته، ووصف المخطوطات المعتمدة وصفا دقيقا ذاكرا كل ما عليها من سماعات وعناوين وتملكات وأوقاف وعدد الأوراق ومقاسها ونوع الخط ورسم الناسخ واصطلاحاته، مثبتا صورا لأول المخطوطات. ثم يذكر المحقق في آخر الكتاب مسردا للمراجع التي رجع إليها في المقدمة أو في حواشي الكتاب بادئا باسم الكتاب أو اسم المؤلف. ثم ختم القواعد مؤكدا أنها ليست تقليدا أعمى للمستشرقين، وليس فيها فوضى وانعدام في المنهج.

 

ثالثًا: المقارنة بين كتاب “قواقد تحقيق المخطوطات” وكتاب “تحقيق النصوص ونشرها” لعبد السلام هارون:

 

من الجدير بالذكر أن كتاب عبد السلام هارون كان سابقًا لكتاب الدكتور صلاح الدين المنجد، بل إنّ كتاب هارون هو أول كتاب عربي في هذا الفن، ولأهميته وأهمية كتاب المنجد يحسن أن نقارن بينهما ونتفحّص مَواطن الاتفاق والافتراق بينهما:

* أوجه الاتفاق:

1- كلا الكتابين مؤلفه عالم جليل ذو باع طويل في العناية بالتراث وتحقيقه والعلوم اللغوية والأدبية.

2- كلاهما مبني على تجارب سابقة وخبرات طويلة.

3- اتفقا في ذكر قواعد تحقيق النصوص وأسسه، واختلفا في طريقة عرضها، كما سيأتي 

4- اتفقا على فضل المستشرقين وسبقهم في التنبيه على تحقيق التراث في العصر الحديث.

5- اتفقا على عدم الإسراف في التعليق على النص.

6- اتفقا على عدم الإسراف في صنع الفهارس.

 

 * أوجه الاختلاف:

1- كتاب الشيخ هارون عام في موضوع تحقيق النصوص ونشرها وما يتصل بذلك من أدوات ومقدمات، فهو كتاب تعليمي بالدرجة الأولى، تطرق فيه الشيخ إلى أمور دقيقة في علم التحقيق. – في حين أن كتاب الدكتور المنجد خاص بالقواعد العامة للتحقيق والنشر فقط.

2- كتاب الشيخ فيه بسط وشرح. – وكتاب الدكتور شديد الإيجاز والتركيز ملتزم بعنوانه أشد الالتزام.

3- كتاب الشيخ هارون يغلب عليه الأسلوب العلمي المتأدب. – كتاب الدكتور طابعه علمي فيه جفاف، وقواعده أشبه بالقانون، تتلاحق مواده في ترتيب منطقي وإيجاز شديد.

4- كتاب الشيخ به الكثير من الأمثلة الشارحة الموثقة. – كتاب الدكتور يخلو من الأمثلة بسبب طبيعته الموجزة المكثفة.

5- يرى الشيخ أنه لا داعي لاستعارة مناهج المستشرقين ما دام المنهج موجودا عندنا محكما ومطبقا. – يرى الدكتور وجوب اتباع مناهج المستشرقين واقتباس قواعدهم.

6- يرى الشيخ ضرورة التعليق على النص بما يفيد في توضيح غامضه وإزالة إشكاله، على جانب فروق النسخ وتصويب الأخطاء. – ويرى الدكتور ترك التعليق على النص إلا بذكر فروق النسخ وتصويب الأخطاء.

7- لم يذكر الشيخ مسألة كثرة النسخ وتقسيمها إلى فئات. – وقد ذكر ذلك الدكتور.

8- ذكر الدكتور أشياء في كتابة الأحاديث؛ كاختصار ألفاظ التحديث الموجودة في لسند، وكتابة السند بخط صغير والمتن مع آخر راو في سطر جديد. – ولم يتعرض الشيخ لها ولا أراه يقرها خاصة اختصار الفاظ التحديث، لإخلالها بالأمانة. والوجه أن تذكر كما هي في النسخة إن كاملة وإن مختصرة.

9- يخاطب الشيخ في الكتاب المبتدئ في أمر التحقيق ومن فوقه. – ويخاطب الدكتور المنجد من كان لديه إلمام بمقدمات التحقيق ولوازمه والعلوم المساعدة عليه.

المصدر: وكالات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *