قصة قصيرة “حكاية ما قبل النوم” الروائية خولة جاسم ناهي

قصة قصيرة “حكاية ما قبل النوم”  الروائية خولة جاسم ناهي
خولة جاسم الناهي
كتب: آخر تحديث:

تسببت ريح آذار الشديدة بقطع اسلاك الكهرباء ، وهي لم تعتد تشغيل المولدة الصغيرة بنفسها . حاولت تبديد الظلام المتزايد داخل المنزل بإشعال بعض الشموع المتبقية من عيد ميلاد ابنتها الصغيرة قبل شهر . فرح الصغار بتوهج الشموع وبدؤوا ترديد ترنيمة ” عيد ميلادك سعيد ” لبعضهم , ولكن الليل في بدايته وعدد الشموع في تناقص ! ” يجب ان يناموا قبل انتهاء الشموع” قررت الأم .. كان عليها ان تستعين بالطريقة التقليدية لإنامة الأطفال وتروي لهم احدى القصص الجميلة , فبدأت بقصة ” سندريلا” . حينها هتف الصغار : نعرفها فقد شاهدناها على التلفزيون , وانتقلت الى “الأميرة النائمة” ثم “الأميرة والضفدع” و….عدد آخر من قصص الأميرات والفرسان والساحرات  رغم هذا لم يتغير جواب الأطفال ” شاهدناها ” “سبق وشاهدناها” … فقصص افلام الكارتون لم تترك قصة الا وعرضتها على التلفزيون ! حاولت تأليف قصة بنفسها لكنها لم تستطع الإسترسال في قصة طويلة او قصة ممتعة تستحوذ انتباه الأطفال ويطلبوا اعادتها … وعندما شعرت باليأس قررت اللجوء الى احدى قصص جدتها القديمة فلربما لم يسمعوا بها .. وحينها تذكرت قصة جدتها مع خاتم اللؤلؤ وهذه القصة هي قصة حدثت لجدتها فعلا وهي اكيدة ان التلفزيون لم يعرضها ابدا .

اعتادت الجدة في صغرها الذهاب للنهر المتاخم لمنزلها لغسل الثياب وما شابه , وفي احدى المرات سقط خاتمها في النهر . كان خاتما جميلا بثلاث لآلئ كبيرة نسبيا . وبالرغم من ان مياه النهر كانت صافية حتى  ان الأسماك الصغيرة  تبدو وهي تسبح فيه بكل وضوح الا انه لا اثر للخاتم . نادت على اخيها الصغير ليبحث عنه أسفل النهر لكنه لم يتمكن من ايجاده .. لقد بكت كثيرا على ضياع الخاتم فهو هدية من والدها الذي جلبه لها من احدى رحلاته للشام .. “ضاع الخاتم الدمشقي الجميل وفقد للأبد” حاول والدها ايجاد خاتم مشابه له وحاول زوجها فيما بعد ذلك ,وهذا ما سعت اليه الجدة بنفسها و ما اراده جميع ابنائها ايضا . حتى انهم طلبوا من احد الصاغة صياغة خاتم مشابه ، لكن وكما اخبرهم الصائغ يجب العثور عل لآلئ بالحجم المطلوب بداية . وطبعا لم يتمكنوا من ايجاد لآلئ ثلاث وبنفس المواصفات . سأل احد الأطفال :

” الم يجدوا الخاتم الذي وقع في النهر ابداً ”

” لقد وِجَد فيما بعد ” .

استفهم الأبن الأكبر :

“هل اشتروا سمكة و وجدوا الخاتم بداخلها ؟ ”

” لا … لاتجري الأمور في الحياة كما في القصص الخيالية , ولكنها قد تكون اكثر غرابة منها احيانا وقد تفاجاؤنا وتجعلنا نجد الخاتم حيث لا نتصور وحين لا نتوقع” .. . عادت الأم الشابة بذكراها لقصة ايجاد الخاتم اللؤلؤي الثمين محاولة رسم التفاصيل و ربط الأحداث بعضها ببعض . اشارت الى ابنتها الوسطى قائلة :

” كنت في مثل عمرك عندما طلبت منا مدرسة التربية الفنية صنع تمثال من الطين ، فنصحتني والدتي بالذهاب الى بيت جدي بالقرب من النهر فطين النهر النقي (الحرّي) يصلح لصنع التماثيل ، وبعد ان كروا النهرمؤخرا ستجدين كثيرا من الطين على جانبي النهر  ” كم انتِ محظوظة يا هناء لن تتكلفي عناء النزول الى النهر!” اضافت والدتي . في حقيقة الأمر كنت راغبة جدا بالنزول الى النهر . المهم مع اقترابي ونزولي الى النهر – مخالفة وصية امي – حفرت الطين الحري بأصابعي وبدأت اشكله بكلتا يديّ وياللمفاجأة وجدت خاتم اللؤلؤ , لا اذكر اني صنعت تمثالي حينها فكل ما اذكره اني وجدت خاتم جدتي لم يكن في جوف سمكة , لم يكن في قلب صخرة , كان هناك في قاع النهر ويبدو ان كري النهر جعله قريبا من السطح وفي متناول اليد . اكتفت جدتي بالإبتسام وقالت : “هذا الخاتم من نصيب هناء فقد خبأ لها كل هذه السنين في قاع النهر” ” انه لهناء ولن يأخذه منها احد!” ونظرت لأمي بإيماءة فهمتها هي :

” – اعطي الخاتم لأمك لتحتفظ لكِ به ! ”

” – نريد ان نرى الخاتم الثمين ماما ” بدأ الأطفال يرددون جذلين ,

” نريد رؤية الخاتم الذي خبأته الأسماك في بيتها ! ”

كانت الفتاة الكبرى شاردة بأفكارها ثم اسكتت اخوتها قائلة :

“ان أمنا لم تعد تملك الخاتم ,لقد اضاعته هي الأخرى اوليس كذلك ماما ؟ هل هو في النهر مرة اخرى؟”

  تمنت الأم لو انها لم تخبر صغارها بهذه القصة فهي لم ترد تخيب ظنهم . ماذا ستقول لهم الآن عن الخاتم الذي وِجد بعد ان ضاع اكثر من ثلاثين عام .. ” اذا اردتِ ان تتعلمي الرسم ، ارسمي هذا الخاتم ” قالت لها والدتها ” فأنا سأحتاج لهذه الصورة ” كانت تلك الرسمة هي آخر أثر للخاتم . لم تزل كلمات امها عالقة في ذهنها :

” ماذا سنفعل بخاتم من اللؤلؤ وليس في المنزل طعاما يكفي للعشاء؟ هل سنراه ونشبع ؟  … سنبيع الخاتم ولن نفعل مثل صاحبة طوق الذهب التي اعلنت ( ما ابيع طوقي والطلع في النخيل , تسعين يوم والبشير يلوح ) ، وطبعا ماتت صاحبة الطوق جوعا قبل ان تتذوق بشائر الرطب ! نحن لن نموت جوعا مامن عقد من الماس او قلادة من الياقوت تستحق ذلك ” .

لقد كان ذلك الخاتم آخر قطعة يمتلكونها من الذهب ،بعد ان باعت الأم كل مصاغها ودفعته ثمن لفيزا وتذكرة سفر لزوجها الذي سافر بحثا عن عمل مثله مثل باقي الرفاق والأقرباء .. فالكل يبحث عن لقمة عيش وقليل من الدولارات ثمنا لكيس من رز او طحين . والآن لم يتبق سوى هذا الخاتم الدمشقي بعد ان انقطعت اخبار الأب واستنفدت النقود حتى الفلس الأخير :

” سنبيع هذا الخاتم فهو لا يؤكل وان كان يؤكل فهو لا يشبع ” استخدمت هناء نفس عبارة امها تقريبا …فكرت بقصة بديلة تخبرها للصغار ولكنها عجزت عن ذلك فهي ليست مؤلفة شاطرة ولا تجيد حتى الكذب ! ، لذلك حاولت اخبارهم القصة الحقيقية مع تعمد اغفال بعض التفاصيل المزعجة واقحام ما يمكن اقحامه من الكلمات المعبرة من مثل ” نحتفظ بالأشياء الثمينة للأوقات السيئة او اليوم الأسود” او ” لا شيء يساوي الإنسان قيمة !”

الذكريات السيئة التي تحتفظ بها عن تلك الأيام مازالت تثقل عليها بحيث انها لا تتحدث عنها ابدا الا ان قصة الخاتم تلك اسعدتها كثيرا بشكل لم تتوقعه فالخاتم الذي ضاع لسنوات طويلة وِجد لينقذهم من جوع محتم , كان يمكن حقا ان يجوعوا  فأبوهم لم يبعث لهم بالمال الا بعد عدة اشهر الا ان المبلغ الذي ارسله فيما بعد كان كبيرا جدا يكفيهم لأكثر من سنتين ، وهذا ما جعل ام هناء تخرج صورة الخاتم وتذهب للبحث عن خاتم مشابه . على الأرجح انها لم تجد ضالتها لأنها عادت وهي تحمل الكثير من الهدايا والمشتريات وطبعا لم تنس حصة الجدة مع هذا لم تذكر شيئا عن الخاتم ، الغريب في الأمر ان الجدة نفسها لم تسأل عن خاتمها قط وكأنما اعطتهم الخاتم ليبيعوه او ربما هي فعلت ذلك فعلا ، فهي تعلم احوالهم جيدا . فكرت هناء :

” يا رحمة الله الواسعة  … من كان يتصور ان تمضي تلك الأيام ؟ ”

 أدركت حينها ان رحمة الله قريبة منها وتغمر روحها وهي قد تكون مخبأة في خاتم كخاتم الجدة او قد تكون في ثمرة ناضجة في شجرة على قارعة الطريق او ربما تكون مجرد كلمة طيبة يقولها احدهم بالصدفة كدعاء جارتها لها في صباح هذا اليوم ” الله يرجعلك زوجك بالسلامة ” .. ترى هل سيرجع زوجها بالسلامة ؟ وهل ستنجح عمليته ويعود لها سالما معافى . لقد شعرت برحمة الله تظللها وتمسح بيد العناية احزانها ..حينها شعرت بالنعاس ورغبة شديدة بالنوم ونامت تلك الليلة وهي على يقين من عودة زوجها. وكانت هذه اول ليلة تنام بها منذ اسبوع تقريبا,اي منذ سفر زوجها للخارج لإجراء عملية لشرايين قلبه .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *