السياسي وسلطة اللغة

السياسي وسلطة اللغة
417616_2570501031579_1214836368_n
كتب: آخر تحديث:

 

 

سعد عبد محمد

 

 

المضمون الذي يبقى خافتاً بين الحرف والمعنى وبين الحال والمحال ساسة سارعوا لأنفسهم ليتصدوا للعملية السياسية برمتها وأعطوا الحق لأنفسهم أن يكونوا هم لا غيرهم الأوائل في كل شي ، لكن هل عرفوا معنى سلطة اللغة وما هو تأثير اللغة في تفعيل العملية السياسية .ام انهم تجاهلوا او هم لا يعرفونها؟ ، حيث إن اللغة في الوجود أداة مطلقة، وهي في السياسة قيمة مقيدة، ولكنها في الإعلام وظيفة متحكمة ، وتجري العادة بأن الناس يهتمون بالحدث السياسي دون أن ينتبهوا مليّاً للصياغة التي نحكي بها تفاصيل الحدث، وبذلك تراهم يطابقون بين الحدث السياسي والخبر السياسي، فهم يُنزلون الأول منزلة المدلول والثاني منزلة الدال، فلا يخطر بالذهن لديهم أن يسعوا إلى تشقيق هذا عن هذا. لكأن رسالة الإبلاغ واحدة لا تصدر إلا عن أداء واحد، أو كأنما الخبر هو الخبر مهما تنوعت صيغه أو تلونت تجلياته، ومن وراء ذلك كأن الإخبار عن الحدث السياسي فعل في مطلق البراءة، بحيث لا تنحشر فيه مقاصد صانعه حين يصنعه.
فاللغة سلطة في ذاتها، والسياسة هي السلطة بذاتها ولذاتها. فأما اللّغة فالإنسان يفعل بها الفعل على الناس، وكثيراً ما لا يكون واعيًا بسلطتها ولا بخطرها. وأما السياسة فأصحابها لا يتصورون أنفسهم إلا وهم يفعلون الأفعال بالناس على الناس، وبعضهم يمارس اللّغة وهو واع بقوتها إذ تشد أزر سلطته، وبعضهم لا يعي أن وزن سلطانه بوزن سلطة اللغة. وفي مسافة ما بين هؤلاء وأولئك تزدهر الحياة أو يخبو وهجها.
والسياسة هي السلطة الغائبة، والذين يصوغون الأحلام الإنسانية يرون أن العالم كان يمكن أن يكون أسعد لو أن السياسة قلصت من حضورها في وعي أصحابها، وأن اللغة قلصت من غيابها عن جمهور الناس المحكومين بالسياسة.
فمنذ صباح التاريخ، يوم بدأ الإنسان يدوّن لمن بعده مآثره، كانت اللّغة أداة أساسية من أدوات السياسة، لم تكن أهميتها تقلّ عن أهمية المال وأهمية الاحتماء بالعصبية، غير أن وزن اللغة في استواء أمر السياسة قد تطور بتطور آليات الإنسان في تواصله مع الإنسان، ثمّ تضخم عندما أصحبت المعلومة ملكًا مشاعًا بين الحكام والمحكومين. إن ذاك التطور الذي آل إلى انتصاب اللغة سلطة داخل سلطة السياسة قد مر بمحطات كبرى، هي تلك المنعرجات التي آلت بالمعلومة إلى الملك المطلق المشاع: المحطة الأولى نشأة الصحافة، والثانية ظهور البث الإذاعي، والثالثة ظهور البث التلفزيوني والرابعة استحداث الإنترنيت إنها كالمراحل الجنينية التي استوى فيها سلطان اللغة، وتم فيها الاعتراف لها بسلطانها، ومنذئذ سيكون من الغباء أن نعزل سلطة السياسة عن سلطة اللغة، وسيكون وجيهًا أن يسأل السائل وهو ينخرط في ميثاق قراءة الهم الإنساني: أيهما أكثر اقترافاً للإثم، سياسي يزهد في اللغة أم لغوي يستهجن السياسة؟ وقد يبحر السؤال بصاحبه بعيدًا: أيهما أحق بالكشف: لغوي يحترف تسويغ السياسة أم سياسي يتجنى على اللغة؟.
إن البحث في السياسة بتجرد منهجي ومن منطلق وعي ثقافي جديد – لا سيما عن طريق فنون تحليل الأقوال – تقتضي مصادرة مبدئية هي الحياد الفكري الضامن للتشخيص العلمي، ولكن الموضوعية في البحث اللغوي والدلالي لا تلغي وقوف الباحث على درجات السلم القيمي، بل كثيرًا ما يكون الانتماء الأخلاقي والالتزام بمواثيق الحق الإنساني والانخراط في معايير العدل المطلق هي التي تحفز الباحث على أن يرى في علاقة اللغة بالسياسة ما لا يراه غيره. ذلك أن الشائع بين الناس هو أن السياسي يهتم باللغة اهتمامًا عارضًا، واللغوي يتابع القضايا السياسية بوصفه كائنًا اجتماعيًّا أكثر مما هو ذو خصوصية معرفية.
نحن نرى إذن كيف تتعدد دوائر النظر كلما حاولنا إلقاء النور على الجسور الواصلة بين السياسة واللغة، وتتشعب أدوات الرصد والتحليل كلما خفيت علينا السلطة التي يكتسبها الخطاب، ومردّ هذا الخفاء أن مفهوم السلطة يستحوذ عليه الحدث السياسي، فلا يخطر على بال الجمهور في الشائع من الأحوال أن يقيم اقترانًا بين اللغة وهي إبلاغ، واللغة وهي صانعة للفعل السياسي ومحققة لحيثيّات إنتاجه، أما أن تتحول اللغة أحيانًا فتمسي هي جوهر الحدث السياسي في ذاته ولذاته فهذا مما لا يستوعبه الوعي العام إلا إذا انبرى الدارس اللغوي يبصّره به. فهل سيتعلم الساسة ما أهمية اللغة ؟ ام لا او لكونهم حاصلي على شهادة تعادل الإعدادية فقط هل سينتبهون لتصريحاتهم وسلوكياتهم اللغوية على منصة الخطاب السياسي الذي نتيجه لسلوكياتهم الخطابية اصبح متصدع ومشظي .