الاستجداء الوظيفي

كتب: آخر تحديث:

باسم الجابري

غالبا ما  يطلق مصطلح “الاستجداء” على اولئك الذين يحصلون على الاموال بطريقة سهلة دون تعب او كلل ، وهذا ما يقوم به كثير من الفقراء ممن امتهن مهنة التسول او الاستجداء ،ربما البعض منهم معذور نتيجة الحالة الاقتصادية للبلد بصورة عامة التي سحقت الفقير ورفعت البرجوازي فاضطر الكثير من “الفقراء” الى النزول الى تقاطع الطرقات او ممرات الجسور او ارصفة الطرقات لاستحصال الاموال من المارة ، هذه الظاهرة ربما  اخذت حيزا لا بأس به من الناحية الاعلامية ، لكنها في النهاية لا نتيجة تصحيحية تذكر وكأن الدولة عاجزة عن توفير لقمة العيش لهؤلاء .

فأصبح هذا الواقع المرير واقعا ظاهريا يعيشه العراقيون كل يوم .ومع هذا الواقع الظاهري المرير لتلك الحالة ، فأن هناك واقعا اخراً ربما  لم يلتفت اليه الكثير ، انه استجداء من نوع خاص ، استجداء يمارس يوميا بأبشع صورة من صور الاهمال الحكومي وعدم المبالاة للمال العام او ثروات البلاد وخيراته ، نوع من الاستجداء للأسف الشديد تمارسه طبقة واسعة من طبقات المجتمع لا يمكن ان نطلق عليهم “فقراء” ..انه .. ” الاستجداء الوظيفي “.

فالحالة هنا تشبه الى حد كبير حالة من يقف في تقاطع طريق ليستحصل على الاموال بطريقة سهلة غير متعبة او لمجرد كلمات بسيطة يلفظها لتؤثر بالمقابل الذي يمد يده في محفظته ليجود عليه ببعض الاوراق النقدية .

ووجه التشابه المقصود هو ما  يجري اليوم في معظم مؤسسات الدولة التي  نسج العنكبوت بيوته على ابوابها، ووضعت الطيور بيوضها في اوكارها ، فاصبحت تلك المؤسسات وقد عشعش فيها التكاسل والاهمال وعدم المبالاة باعادتها للحياة او اعادة تشغيل كادرها من موظفي الدولة ، حيث كثرة الموظفين الذين لا يؤدون عملا يذكر فيتعاطون رواتبا – ربما خيالية في كثير من الاحيان – دون ان يقوموا بعمل واحد يستحقون عليه هذا الأجر . اذن لا فرق بين المستجدي في كلا الحالتين .

ولو تمعنا اكثر في حال عدد من مؤسسات البلد فاننا نجد ان وزارة الصناعة والمعادن هي اكثر الوزارات التي  تعاني من “الاستجداء الوظيفي” فمعظم مرافقها الصناعية متوقفة عن العمل وكانما الدولة اكتفت بالاستيراد من دول الجوار والدول الصديقة ولا حاجة لبلد صناعي متطور يقف في مصاف دول العالم الاخرى ، فانهم يفكرون ان ثرواتنا لن تنضب ابدا ولا ضير ان تتوقف كل مصانعنا ونستورد من الجارة الفلانية او الصديقة العلانية !! ولا ضير ايضا ان نعطي للموظف راتبا جراء سكوته عن المطالبة بتشغيل مصنعه او معمله !! ، والموظف المسكين غير مستشعر بحجم المأساة الناتجة عن تراجع صناعته الوطنية ، طالما هو يستحصل على الراتب الشهري وان كان دون كلل او تعب .

ان الحل في الخروج من تلك الحالة المأساوية التي تعانيها مؤسساتنا الحكومية الصناعية يكمن في وضع خطط وبرامج مستقبلية من شأنها الارتقاء بصناعتنا الوطنية وحث الجميع على العمل من اجل انقاذ العراق من وحل “الانجماد الصناعي” الذي نعيشه منذ عدة سنوات ، وتشجيع ودعم الصناعة الوطنية باقرار قانون الضرائب الكمركية التي من شأنها ان تجعل المنتج الوطني منافسا قويا في السوق العالمية ، ومحاولة إقرار قانون الاستثمار بالصيغة التي  من شانها خدمة القطاع الصناعي العراقي والارتقاء به وتشغيل موظفيه والابتعاد بهم عن ظاهرة الاستجداء الوظيفي الذي فرضته عليه الظروف غير المستقرة للبلاد .